محمد جمال الدين القاسمي

464

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [ مريم : 90 - 91 ] ، وقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ أي لأنها بخلاف لغاتكم . قال ابن كثير : وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات ، على أشهر القولين . ثم استدل بما صح من تسبيح الطعام ، والحصا ، ممّا خرج في الصحيحين والمسانيد ، مما هو مشهور . واختاره الراغب في ( مفرداته ) وقال : إنه تسبيح على الحقيقة بدلالة قوله : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ودلالة قوله : وَمَنْ فِيهِنَّ بعد ذكر السماوات والأرض لا يصح أن يكون تقديره ( يسبح له من في السماوات ويسجد له من في الأرض ) لأن هذا من نفقهه ، ولأنه محال أن يكون ذلك تقديره ، . ثم يعطف عليه بقوله : وَمَنْ فِيهِنَّ والأشياء كلها تسبح له وتسجد بعضها بالتسخير وبعضها بالاختيار . والآية تدل على أن المذكورات تسبح باختيار ، لما ذكر من الدلالة . انتهى . وذهب كثيرون إلى أن التسبيح المذكور مجازيّ ، على طريقة الاستعارة التمثيلية أو التبعية . ك ( نطقت الحال ) . فإنه استعير فيه للتسبيح للدلالة على وجود فاعل قادر حكيم واجب الوجود منزه عن الولد والشريك ، كما يدل الأثر على مؤثره . فجعلت تلك الدلالة الحالية كأنه تنزيه له عما يخالفه . وفي كل شيء له آية * تدل على أنه الواحد قالوا : والخطاب في قوله تعالى : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ للمشركين . أي لإخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم . وقد بالغ في رد القول الأول واختيار الثاني ، الإمام ابن حزم في كتابه ( الملل والنحل ) ولا بأس بإيراده ، لما فيه من الغرائب . قال رحمه اللّه في الرد على من قال : ( إنّ في البهائم رسلا ) : إنما يخاطب اللّه تعالى بالحجة من يعقلها . قال اللّه تعالى : يا أُولِي الْأَلْبابِ * [ البقرة : 179 ] ، وقد علمنا بضرورة الحس ؛ أن اللّه تعالى إنما خص بالنطق - الذي هو التصرف في العلوم ومعرفة الأشياء على ما هي عليه ، والتصرف في الصناعات على اختلافها - الإنسان خاصة . وأضفنا إليهم ، بالخبر الصادق ، الجن والملائكة . ثم قال رحمه اللّه وقد قاد السخف بعضهم إلى أن جعل للجمادات تمييزا لمثل قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا